الوقت مريض يلازم الفراش وأنه سيموت اليوم أو
غدا أو الأسبوع القادم ... وأنا أخاف ألا أرتدي فستان العيد وألا أقابلك صدفة في
أحياء مديتنا الكبيرة .. المطر يتناثر من قطع الثلج القطنية .. وفوضي السلاسل تسجل
عنوانا آخر ... تتساقط اللآلئ من عينيك فتملأ الأوراق وسجلات الميلاد ... فتطفو
الكلمات ويغرق الحبر .. إن الغاضب يصرخ في الميدان وأنا أريد أن أصرخ ولكن القلم ساكن..
هادئ.. ميت .. نعم أريد أن أصرخ ويعلو صوتي فوق صوت المدافع .. فوق صوت الغارات
التي تعوي كل مساء .. إن التجبر في علو الصوت وأنا أريد أن أتجبر فوق الحرب
وملايين ممن يشربون الدماء ..
الشعر المجعد واللون الاسمر حكاية لم ينفض
عنها التراب ..والساعي يطرق "إنه خطاب"... "ممن ياطارق
الباب.؟".. فلم أجد سوي الخطاب ...." زوجك مطلوب في واجبات
دفاعية"... وأنا امرأة بلا رجل بلا وقت بلا سهر .. لعله لجارتنا , لكنها ماتت
وزوجها أيضا قد اغتاله كرسيه المتحرك .. لعله لصاحب الفناء المجاور !!... لكن
المنزل مجهور منذ ألف عام .. أنا لا أدري عله كان خطأ مقصود .. الشمس ذابت في
دمائنا .. وبقايا الحرب راكدة في قاع كوب ذي رائحة عطنة .. وسيتقدم "الموفد
"... ببيان لهؤلاء اللا جئين الذين لا يعرفون معني الهوية التي سرقت كي تسقي
الارصفة والشوراع الغريبة ...
"أنا دائما كلماتي لا تعجبك .. هي أيضا
لا تعجبني" ..فأنا فراغ هائم فوق
أسطح المنازل يراقب الطائرات حين تصغر.. ويفر حين تكبر ..إنه الجبن يرافق فراغ ..
أتدري أنك جميل وأنت بعيد هكذا ...فأنا أري
منك صورا و كلمات وفقط ... أنا أكره الغموض .. لكنه لا يكرهني ولا يرفضني .. وأكره
الحرب لكنها توسعني ضربا حجة الحب في التحرر لي ولبلادنا العربية .. وأكره الألوان
الفاترة لأنها لاتثور ولا تموت ... والآن الغياب غيابان "لأنك في مدرسة الضعف
المضاعف "... أتدري لماذا أنا فقط يتملكني الوهن ولا أعرف سوي أن أكتب وأن
أسرق القلم دون علم والداي ... .؟ لأني سأموت .. أما الكلمات فإنها لاتموت ...
صدقني لست أنت المقصود .. فأنا أريد وطنا
خاليا من الصراخ والضجة والفوضي واليتم والخلافات الزائفة ...
فيه يشد انتباهي ساعتها رجل يتحدث عن مجد
قديم ويدفن مذكراته في تربة مجد جديد .. ماكل هذا الهراء .؟.. إنه قول الشعراء ...
أنا أحتاج صمتا كافيا كي أرتب انفعالاتي
وأضعها في مكتبتنا الكبيرة .. لكني كلما أعدت النظر إليها ..تبعثرت واشتد الغيم
وذرفت المدامع فوق القبور البعيدة ذات اللون الترابي ...
لي صديقة شاحبة الملامح مليئة بشظايا النار
ترقص فوق جسدها ... تبيع الخبز للمارين وابنها يصرخ علي كتفها ... والده قد مات
ليلة زواجها منه ... كانت تحبه ..نعم .. لكنها قد نسيت حقيبة ملابسها في منزل
والدها ..
_"سأجهز لك القهوة .".. "لكن أرجوك امتنع
عن دخان سجائرك اليوم" ...
_"ألا تعلمين أني رجل ولابد أن أحرق يدي
كي يستشعر قلبي .؟ !!..."...
ياأبي:- " لقد أخبرني ابن الجيران ..أن المصابيح
تضئ والشمس تضئ والنجوم تضئ والقمر أيضا ... حتي النار تضئ .. فهل هذا صحيح ياأبي
.؟.. "نعم صحيح ".... "إذا لماذا أنا في سواد دائم وعيناي لا تضئ
.؟ !!.."
أنا أريد سفرا بعيدا ..بعيدا عن حكايا الجدة
... بعيدا عمن أعرف ..بعيدا عمن أشتاق .. بعيدا عن كل القصص والروايات ... بعيدا
عن كل المصابيح المنهكة في شوارع "باريس" القديمة ... بعيدا عن كمان
"درويش",, و"دنقل"... بعيدا عن كل الأوتار ... لكن ليس هناك
بلد يقبل جواز سفري ... لأنه بلا هوية .. وأنا لا أعرف ما الهوية !! ... وأبي لم
يعلمني في مدارس أجنبية .. وأمي لم تطهو لنا الحساء كي نجوع لوطن بدايته قطعة خبز
ونهايته رصيف بارد ...
يدق رجل ضخم أبواب الليل بدقات منتظمة ولا
ينطق ... ولا نفتح لليل حتي لا يدخل النهار .. فيظل يدق وكل دقة تزيد الليل طولا
وسوادا ... وأنا وأخوتي فوق الطين يرتعد الأمل فينا ويموت الحب فينا ونلتصق
والجدران.. فيذوب الرجل في ملامحنا وتبتلعه أفواه الطرق العميقة ... والباب لا يدق
بعدها أبدا ...
..........................
يدخل زوجي علي فيجدني ملقاة بين أوراقي
فيوقظني ... فيسقط اللون الزهري من فوق النافذة ... ويسألني "..ألم تنامي منذ
البارحة .؟.. فلا أجيب .. وأنظر إلي وجهه فلا أعرفه .. فأغادر الصمت مسرعة .. فأعود
فلا أجده .. فأبحث عنه في كل خزانات أفكاري ورواياتي ..فلا أجده ... وبعدها
يفاجئني بفنجان قهوة لا سكر فيه.. وقطع الخبز الإيطالي .. ويسألني ألا تريدين سكر
هذه المرة أيضا .؟... فلا أجيب ... وحين أغادر الصمت مسرعة ..فأعود فلا أجده ...
فأنظر إليه وينظر إلي فيما وراء النسيان وليالي السهاد البعيدة وارتشف منه نظرة ويليها
رشفة من القهوة .. لأنها لم تعد مرة الآن ... ولا يسألني ولا أجيب ويموت الكلام ..
وأنظر إلي مقعده أمامي ... ولا أجده ...............
سماح محمود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق